إن إثبات أن كاتباً قد ناقض نفسه قد يكون مرحلةً ضرورية، لكنه يجب ألّا يكون قط الهدف النهائي لنقدٍ موضوعيٍّ ومثمر. فمعرفة أن في نظامٍ ما خطأً ـ خطأً يمكن تصوّراً أن يكون مجرد خطأٍ عرَضيٍّ وشخصيٍّ من المؤلف ـ ليست سوى درجةٍ فقيرةٍ نسبياً من المعرفة النقدية. ولا يمكن التغلب فعلياً على نظامٍ راسخ البناء إلا إذا نجح المرء في أن يُبيِّن بدقةٍ متناهية النقطةَ التي تسلّل عندها الخطأ إلى النظام، والمسارات التي انتشر وتفرّع عليها فيه. إذ يجب على المرء أن يفهم منطلق الخطأ وتطوّره وكارثته التي تتوّج في التناقض الذاتي، فهماً جيداً، بل يكاد يقول المرء: حتى بوصفه خصماً، فهماً متعاطفاً، بقدر ما يجتهد على العكس في فهم تماسك نظامٍ يُسلِم نفسه إليه.
لقد أدّت ظروفٌ بالغة الخصوصية والحدّة إلى أن مسألة التناقض الذاتي، في حالة Marx، اكتسبت أهميةً أكبر بكثيرٍ مما يليق بها عادةً، ووفقاً لذلك كرّستُ أنا أيضاً لتلك المسألة حيّزاً واسعاً. لكن إزاء مفكِّرٍ بهذه الأهمية وهذا التأثير، يحقّ لنا بالأحرى أن نتملّص أقلَّ ما يكون من الجزء الثاني من المهمة النقدية، وهو الجزء الذي أعتقد أنه، في هذه الحالة أيضاً، أكثر إثماراً وتعليماً من الناحية الموضوعية.
لنبدأ بسؤالٍ يقودنا فوراً إلى صلب الموضوع: بأي طريقٍ بلغ Marx القضيةَ الأساسية النظرية لتعليمه، أي القضية القائلة بأن كل قيمةٍ تستند وحدها وحصرياً إلى كميات العمل المتجسّدة؟
ومما لا شك فيه أن هذه القضية ليست بديهيةً غنيةً بذاتها عن البرهان ومن ثم لا تحتاج إلى برهانٍ البتة. فالقيمة والجَهد، كما سبق أن بيّنتُ مرةً في موضعٍ آخر، ليسا بحالٍ مفهومين متلازمين إلى درجة أن يستولي على المرء على الفور الإدراكُ بأن الجَهد هو أساس القيمة. «إن كوني قد كددتُ من أجل شيءٍ واقعةٌ، وكونَ الشيء يستحق فعلاً هذا الكدّ واقعةٌ ثانية مختلفةٌ عنها، وكونَ الواقعتين لا تسيران دائماً يداً بيد أمرٌ أكّدته التجربة بما لا يدع مجالاً لأي شك. فكلٌّ من حالات الكدّ العقيم التي لا تُحصى، التي تُهدَر يومياً على نتيجةٍ عديمة القيمة بسبب قصورٍ فنيٍّ أو مضاربةٍ فاشلةٍ أو لمجرد سوء حظ، يشهد على ذلك. ولا يقلّ عنها شهادةً كلُّ حالةٍ من الحالات العديدة التي يُكافأ فيها جَهدٌ قليلٌ بقيمةٍ عالية».²³
فإذا زُعم مع ذلك، بالنسبة لمجالٍ ما، توافقٌ ضروريٌّ ومنتظمٌ بين الكمّيتين، وجب على المرء أن يُقدِّم لنفسه ولقُرّائه بياناً عن أسبابٍ ما تكون قادرةً على دعم مثل هذا الزعم.
ويُقدِّم Marx الآن أيضاً في نظامه تأسيساً. لكني أعتقد أنني قادرٌ على إقناع المرء بأن مسار التأسيس المسلوك كان من أساسه غير طبيعيٍّ ولا يناسب طبيعة المشكلة؛ وبأن التأسيس المعروض في النظام لم يكن بوضوحٍ هو ذاك الذي بلغ Marx نفسُه عبره قناعتَه، ـ بل ابتُكر لاحقاً بوصفه دعامةً مُزخرفةً اصطناعياً لرأيٍ مسبقٍ مستمدٍّ من انطباعاتٍ أخرى؛ وبأن البرهنة أخيراً ـ وهذا هو الأكثر حسماً ـ مشبعةٌ بعددٍ متراكمٍ من أوضح الأخطاء المنطقية والمنهجية، التي تجرّدها من أي قوةٍ إثباتية.
لننظر عن كثبٍ أكثر.
الأطروحة الأساسية التي يعرضها Marx على قُرّائه لِيُصدِّقوها هي أن القيمة التبادلية للسلع ـ إذ إن تحليله موجَّهٌ إليها وحدها، لا إلى قيمة الاستعمال ـ تجد أساسها ومقياسها في كميات العمل المتجسّدة في السلع.
والحال أن كلاً من القيم التبادلية، أو بالأحرى أسعار السلع، وكذلك كميات العمل اللازمة لإعادة إنتاجها، مقاديرُ ظاهرةٌ للعيان، تكون في جملتها وعمومها قابلةً جيداً لإثباتٍ تجريبي. ومن ثم كان من البديهي ظاهرياً بالنسبة لـ Marx، للوصول إلى قناعةٍ بقضيةٍ لا بد لصوابها أو خطئها أن يتجلّى في وقائع التجربة، أن يحتكم إلى التجربة، أي بعبارةٍ أخرى: أن يُقيم برهاناً تجريبياً بحتاً على أطروحته القابلة لبرهانٍ تجريبيٍّ بحت. لكن Marx لا يفعل ذلك. ولا يمكن في هذا حتى القول إنه مرّ بإهمالٍ على هذا المصدر الممكن، بل المناسب يقيناً، للمعرفة والبرهان. بل إنه، كما تُبيِّن مباحث مجلده الثالث، يعرف جيداً تماماً كيف تكون الوقائع التجريبية وأنها مناقضةٌ لأطروحته. فهو يعلم أن أسعار السلع لا تتحدد نسبةً إلى كمية العمل المتجسّدة، بل نسبةً إلى تكاليف الإنتاج الكلية التي تشمل أيضاً عناصر أخرى. ومن ثم فإنه تنكّب أكثر اختباراتِ أطروحته طبيعيةً، لا عن مصادفةٍ يقيناً، بل بوعيٍ واضحٍ بأنه لا يمكن على هذا الطريق بلوغ نتيجةٍ مواتيةٍ لأطروحته.
لكن يوجد إلى جانب ذلك مسلك ثانٍ في الإثبات والإقناع يَنسجم تمامًا كذلك مع أطروحات من هذا النوع، وهو المسلك النفسي. إذ يمكن المرء — بمزيج من الاستقراء والاستنباط شائع الاستعمال جدًا في علمنا — أن يبحث في الدوافع التي توجّه الناس من جهة عند إجراء معاملات التبادل وتحديد أسعار التبادل، ومن جهة أخرى عند مشاركتهم في الإنتاج، وأن يستخلص من طبيعة هذه الدوافع نتائج بشأن نمط نموذجي لسلوك الناس، بحيث يمكن أن ينشأ من ذلك، من بين ما هو متصوَّر، أيضًا ارتباطٌ بين الأسعار المطلوبة والممنوحة بانتظام وبين كمية العمل اللازمة لإنتاج السلع. وقد طُبِّقت هذه المنهجية في مسائل مماثلة مرارًا وبأفضل نجاح — فالتأسيس المعتاد، مثلًا، لقانون العرض والطلب، وقانون تكاليف الإنتاج، وتفسير الريع العقاري إلخ، يقوم عليها — بل إن Marx نفسه استعملها، على الأقل في صورتها الإجمالية، غير مرة. غير أنه يتجنّبها مرة أخرى بالضبط في أطروحته الأساسية. ومع أن الارتباط الخارجي المزعوم بين قيم التبادل وكميات العمل لا يمكن أن يجد فهمه الكامل إلا من خلال الكشف عن الحلقات النفسية الوسيطة التي تربط بينهما، فإنه يتخلّى عن عرض هذه الارتباطات الداخلية؛ بل يعلن في مناسبة ما أن «التحليل الأعمق» لِـ«القوّتين المحرّكتين اجتماعيًا» المتمثلتين في «الطلب والعرض»، وهو التحليل الذي يؤدي بالضبط إلى ذلك الترابط الداخلي، «ليس في محله هنا» (III. 169)، حيث إن «هنا» وإن كان يتعلق في بادئ الأمر باستطراد حول تأثير الطلب والعرض في تكوُّن الأسعار، إلا أنه يمتد فعليًا وعمليًا، بقدر ما يتعلق الأمر بتحليل حقيقي «عميق» ومُحكَم، إلى مجمل نظام Marx، وعلى وجه الخصوص أيضًا إلى تأسيس فكرته الجوهرية الأهم.
لكن ها هنا أيضًا يُلاحَظ شيء من نوع خاص. فإن Marx لا يمرّ بهذه المنهجية البحثية الثانية الممكنة والطبيعية مرورَ غير المبالي عن براءة. بل إنه يتجنّبها مجددًا عن قصد وبوعيٍ تام بالنتيجة التي ستأتي بها وبأن هذه النتيجة لن تكون في صالح أطروحته. فهو في المجلد الثالث يستدعي فعلًا تلك القوى الدافعة الفاعلة في الإنتاج والتبادل، التي يتخلّى هنا وفي غير هذا الموضع عن «تحليلها الأعمق»، تحت اسمها الجامع الفجّ «المنافسة»، ويعلم ويبيّن أن هذه الدوافع لا تؤدي في الواقع إلى مواءمة الأسعار مع كميات العمل المتجسّدة في السلع، بل تدفعها على العكس بعيدًا عن هذا المقياس ونحو مستوى يتوافق مع المشاركة الفاعلة لعامل ثانٍ منسّق على الأقل. فـ«المنافسة» هي التي، وفقًا لِـ Marx، تُحدِث تكوُّن معدل الربح المتوسط الشهير و«تحويل» قيم العمل الخالصة إلى «أسعار إنتاج» تنحرف عنها وتنطوي على حصة من الربح المتوسط.
وبدلًا من أن يؤسّس أطروحته من التجربة أو من دوافعها الفاعلة تأسيسًا تجريبيًا أو نفسيًا، يؤثر Marx أن يسلك مسلكًا ثالثًا في الإثبات، وهو مسلك غريب بعض الشيء بالنسبة لمادة من هذا النوع: طريق الإثبات المنطقي الخالص، طريق استنباط جدلي من ماهية التبادل ذاتها.
وجد Marx لدى Aristoteles القديم بالفعل الفكرة القائلة إن «التبادل لا يكون من دون مساواة، والمساواة لا تكون من دون قابلية للقياس المشترك» (I. 35). وإلى هذه الفكرة يستند. فهو يتصوّر تبادل سلعتين في صورة معادلة، ويستنتج أنه لا بد أن يوجد في الشيئين المتبادَلين والمُساوَى بينهما بذلك «شيء مشترك من القدر نفسه»، ويمضي للبحث عن هذا المشترك الذي يجب أن تكون الأشياء المُساوى بينها بوصفها قيمًا تبادلية «قابلة للرد» إليه (I. 11).
أودّ أن أُلاحظ على سبيل الاعتراض أن المقدمة الأولى ذاتها، التي بمقتضاها يُفترض أن تتجلّى في تبادل شيئين «مساواةٌ» بينهما، تبدو لي مفكَّرًا فيها على نحو غير عصري للغاية — وهو أمر لا يهمّ كثيرًا في نهاية المطاف — بل أيضًا غير واقعي جدًا، أو لأقولها بألمانية صريحة: غير صحيح. فحيثما تسود المساواة والتوازن الدقيق، لا يحدث عادةً أي تغيُّر في حالة السكون القائمة. فإذا انتهى الأمر في حالة التبادل بأن تبدّل السلع أصحابها، فهذا أحرى أن يكون علامة على أن نوعًا من اللامساواة أو رجحانًا كان في اللعب، فرض التغيير بترجيحه — تمامًا كما تنعقد روابط كيميائية جديدة بين مكوّنات أجسام مركَّبة قُرِّب بعضها من بعض، عندما لا تكون «القرابة الكيميائية» لمكوّنات الجسم الغريب المُقرَّب متساوية في القوة بالضبط، بل أقوى من قرابتها لمكوّنات التركيب القائم. والواقع أن الاقتصاد القومي الحديث مُجمِع على أن النظرة المدرسية اللاهوتية القديمة القائلة بـ«تكافؤ» القيم المراد تبادلها نظرة غير صائبة. لكنني لا أريد أن أُلقي مزيدًا من الثقل على هذه النقطة، وأتوجّه إلى الفحص النقدي للعمليات المنطقية والمنهجية التي يستخلص بها Marx العملَ بوصفه «المشترك» المنشود.
هذه العمليات هي بالضبط ما أشرتُ إليه أعلاه من أنها تبدو لي تشكّل أشدّ مواضع نظرية Marx ضعفًا. فهي تكاد تنطوي على أخطاء علمية جسيمة بقدر ما تنطوي على حلقات فكرية — وهي ليست قليلة بحال — وتحمل آثارًا ملموسة على أنها قد لُفِّقت وصُنِعت لاحقًا بتكلّف لكي يَخرُج رأي مُسبَق بوصفه نتيجة طبيعية ظاهرًا لمسار بحثي حقيقي.
يتّبع Marx في بحثه عن «المشترك» المميِّز لقيمة التبادل الإجراء التالي. فهو يستعرض مختلف الخصائص التي تمتلكها أصلًا الأشياء المُساوَى بينها في التبادل، ثم يُقصي بطريقة الاستبعاد كلَّ تلك التي لا تجتاز الاختبار، إلى أن لا تبقى في النهاية سوى خاصية واحدة. وهذه الخاصية — وهي خاصية كونها نتاجَ عمل — لا بد أن تكون عندئذٍ الخاصية المشتركة المنشودة.
هذا الإجراء غريب بعض الشيء، لكنه في ذاته ليس مرفوضًا. ومن المؤكد أن فيه شيئًا من الغرابة عندما يكتفي المرء، بدلًا من أن يضع الخاصية المميِّزة المُفترَضة على المحكّ إيجابًا — وهو ما كان سيؤدي بالطبع إلى إحدى المنهجيتين اللتين نُوقشتا سابقًا واللتين تجنّبهما Marx عن قصد — بأن يحصّل قناعته بأن هذه الخاصية بالذات هي المنشودة عن طريق سلبي محض، أي أن جميع الخصائص الأخرى ليست هي المنشودة، بينما لا بد أن تكون إحداها كذلك. ومع ذلك يمكن أن تؤدي هذه المنهجية إلى الهدف المنشود إن استُعملت بما يلزم من الحذر والاكتمال؛ أي إذا حرص المرء بعناية مُضنية على أن كل ما ينبغي إدخاله يُوضَع فعلًا في الغربال المنطقي، وعلى ألا يُرتكب أي خطأ بصدد أي حلقة من الحلقات التي تُستبعَد في سياق الغربلة.
لكن كيف يمضي Marx؟
إنه يضع في الغربال منذ البداية فقط تلك الأشياء ذات القيمة التبادلية التي تمتلك الخاصية التي يريد في النهاية أن يغربلها بوصفها «المشتركة»، ويترك كلّ ما عداها خارجًا. إنه يفعل كمن يرغب رغبة شديدة في أن تَخرُج من الجرّة كرة بيضاء، ويدعم هذه النتيجة بحذرٍ بأن لا يضع في الجرّة سوى كرات بيضاء. فهو يقصر منذ البداية نطاق بحثه عن جوهر قيمة التبادل على «السلع»، آخذًا هذا المفهوم — من دون أن يعرّفه بعناية تحديدًا — بمعنى أضيق على أي حال من مفهوم «الخيرات»، ومُقصِرًا إياه على نتاجات العمل في مقابل عطايا الطبيعة. والآن، أليس من البيّن أنه إذا كان التبادل يعني فعلًا مساواةً تفترض وجود «مشترك من قدر متساوٍ»، فإن هذا المشترك يجب أن يُبحَث عنه ويوجَد لدى جميع أصناف الخيرات التي تدخل في التبادل؛ لا لدى نتاجات العمل فحسب، بل أيضًا لدى عطايا الطبيعة، كالأرض والتربة، والخشب على ساق الشجرة، والقوى المائية، ومناجم الفحم، والمحاجر، ومكامن البترول، والمياه المعدنية، ومناجم الذهب وما شابهها13. وإن استبعاد الخيرات ذات القيمة التبادلية التي ليست نتاجات عمل، عند البحث عن المشترك الكامن في أساس قيمة التبادل، يُعدّ في هذه الظروف خطيئة منهجية مميتة. وليس هذا بمختلف عمّا لو أراد فيزيائي أن يبحث عن أساس خاصية مشتركة بين جميع الأجسام، كالثقل مثلًا، انطلاقًا من غربلة خصائص مجموعة واحدة من الأجسام، كالأجسام الشفافة مثلًا، فيستعرض جميع الخصائص المشتركة بين الأجسام الشفافة، ويبرهن عن سائر خصائصها أنها لا يمكن أن تكون أساس الثقل، ثم يُعلن بناءً على ذلك في النهاية أن الشفافية لا بد أن تكون سبب الثقل!
إن استبعاد عطايا الطبيعة (الذي ما كان ليخطر قطعًا ببال Aristoteles، أبي فكرة المساواة في التبادل) لا يمكن تبريره بأي حال، لا سيما وأن بعض عطايا الطبيعة، كالأرض والتربة، تنتمي إلى أهمّ موضوعات الثروة والتعامل على الإطلاق، ولا سيما وأنه لا يمكن البتة الزعم بأن قيم التبادل لدى عطايا الطبيعة تتحدّد دائمًا على نحو عرَضي واعتباطي محض. فمن جهة تقع الأسعار العرَضية أيضًا لدى نتاجات العمل، ومن جهة أخرى تُظهِر أسعار عطايا الطبيعة في كثير من الأحيان أوضح العلاقات بنقاط ارتكاز ثابتة أو محدِّدات ثابتة. وإن كون سعر شراء العقارات يشكّل، مثلًا، مضاعَفًا لريعها يتحدّد وفق سعر الفائدة المتعارف عليه في البلد، أمر معروف بقدر ما هو مؤكَّد أن الخشب على الساق أو الفحم في المنجم يحقّق سعرًا مختلفًا، عند اختلاف الجودة أو في مواقع مختلفة ذات ظروف نقل متفاوتة، لا عن مجرد المصادفة وما شابه ذلك.
ويحرص Marx أيضًا على ألا يقدّم بيانًا صريحًا بأنه استبعد منذ البداية جزءًا من الخيرات ذات القيمة التبادلية من البحث، ولماذا فعل ذلك. فهو يُحسِن هنا أيضًا، كما في كثير من الأحيان، أن ينزلق فوق المواضع الحرجة من استدلاله ببراعة جدلية زلقة كالأنقليس. فهو يتجنّب أولًا أن يُنبّه قارئه إلى أن مفهومه عن «السلعة» أضيق من مفهوم الخير ذي القيمة التبادلية عمومًا. ويُهيّئ ببراعة فائقة، للتقييد اللاحق للبحث على السلع، نقطةَ ارتباط طبيعية، عبر العبارة العامة التي وضعها على رأس كتابه، وهي تبدو بريئة تمامًا، القائلة إن «ثروة المجتمعات التي يسود فيها نمط الإنتاج الرأسمالي تظهر كركام هائل من السلع». وهذه الجملة خاطئة تمامًا إذا فُهم تعبير السلعة بالمعنى الذي يُسبغه عليه Marx لاحقًا، أي معنى نتاجات العمل. ذلك أن عطايا الطبيعة، بما فيها الأرض والتربة، تشكّل جزءًا كبيرًا للغاية وغير عديم الأهمية بأي حال من الثروة القومية. لكن القارئ غير المتيقّظ يتجاوز بسهولة هذا التجاوُز غير الدقيق، لأنه لا يعلم أن Marx سيُسبغ لاحقًا على تعبير السلعة معنًى أضيق بكثير.
وفي ما يلي أيضاً لا يُوضَّح هذا بعد. بل على العكس، تتناوب في الفقرات الأولى من الفصل الأول العباراتُ عن "الشيء"، و"القيمة الاستعمالية"، و"الخير"، و"السلعة"، دون أن يُرسَم تمييزٌ حاد بين الأخيرة وبين الأولى. "إنّ نفعيّة شيءٍ ما" — كما يُقال في ص 10 — "تجعله قيمةً استعمالية". "إنّ جسم السلعة... هو قيمة استعمالية أو خير". وفي ص 11 نقرأ: "تظهر القيمة التبادلية... بوصفها العلاقةَ الكمّية... التي تُتبادَل فيها قيمٌ استعمالية من نوعٍ ما بقيمٍ استعمالية من نوعٍ آخر". ولْيُلاحَظ أنّه يُسمَّى هنا، بوصفه مجالَ ظاهرة القيمة التبادلية، القيمةُ الاستعمالية = الخير لا غير. وبالعبارة: "لننظر في الأمر عن كثب"، وهي بالتأكيد غير مؤهَّلة للإيذان بقفزٍ إلى مجالٍ آخر أضيق من مجال البحث، يمضي Marx قائلاً: "إنّ سلعةً مفردةً، رُبعَ قمحٍ مثلاً، تُتبادَل بأكثر النسب تنوّعاً مع أصناف أخرى". و"لنأخذ كذلك سلعتين" وما إلى ذلك. بل إنّ تعبير "الأشياء" يعود مرّةً أخرى في الفقرة نفسها، وذلك تحديداً في الصياغة المهمّة بالنسبة إلى المسألة، وهي أنّ "مشتركاً من المقدار نفسه موجودٌ في شيئين مختلفين" (وهما اللذان يُجعَلان متساويين أحدهما للآخر في التبادل). غير أنّ Marx في الصفحة التالية 12 يُجري البحث عن "المشترك" للقيمة التبادلية "للسلع" فحسب، دون أن يلفت الانتباه بكلمةٍ واحدة إلى أنّه يريد بذلك أن يكون قد ضيَّق ميدانَ البحث على جزءٍ من الأشياء ذات القيمة التبادلية.14 وفي الصفحة التالية فوراً، ص 13، يُهجَر التضييق من جديد، ويُطبَّق النتيجةُ التي ظُفِر بها للتوّ من أجل النطاق الأضيق للسلع على الدائرة الأوسع للقيم الاستعمالية للخيرات. "إنّ قيمةً استعمالية أو خيراً ليس له قيمةٌ إذاً إلا لأنّ عملاً إنسانياً مجرَّداً مُتشيِّئٌ أو مُتجسِّدٌ فيه!"
لو أنّ Marx لم يضيِّق البحث في الموضع الحاسم على نواتج العمل، بل بحث عن المشترك لدى الهبات الطبيعية ذات القيمة التبادلية أيضاً، لكان من الجليّ المحسوس أنّ العمل لا يمكن أن يكون هو المشترك. ولو أنّه أنجز ذلك التضييق صراحةً وعلانيةً، لتعثَّر هو نفسه ولتعثَّر قرّاؤه حتماً بهذا الخطأ المنهجي الفظّ، ولاضطُرّوا إلى الابتسام إزاء تلك الحيلة الساذجة التي تُستخلَص بها خاصّيةُ كون الشيء ناتجَ عملٍ، بنجاحٍ، بوصفها خاصّيةً مشتركةً لدائرةٍ، بعد أن يكون المرء قد أقصى مسبقاً عن هذه الدائرة كلَّ الأشياء ذات القيمة التبادلية التي تنتمي إليها بطبيعتها أيضاً ولكنّها ليست نواتجَ عمل. لم يكن في الإمكان إجراء هذه الحيلة إلا على النحو الذي أجراها به Marx، خِفيةً، بجدلٍ ينساب بسرعةٍ وسهولةٍ فوق النقطة الشائكة. وإذ أُعرب عن إعجابي الصادق بالمهارة التي عرف بها Marx أن يقدّم بها إجراءً مَعيباً إلى هذا الحدّ تقديماً مقبولاً، فإنّي لا يسعني بالطبع إلا أن أُثبت أنّ الإجراء كان مَعيباً تماماً.
لكن لنتابع النظر. بالحيلة التي وُصِفت للتوّ لم يكن Marx قد بلغ إلا أن يتمكّن العملُ من الدخول أصلاً في المنافسة. فبفعل التضييق المصطنع للدائرة لم يصِر العملُ خاصّيةً "مشتركة" لهذه الدائرة الضيّقة إلا حينئذٍ. غير أنّه إلى جانبه كان يمكن أن تُطرَح خصائص أخرى أيضاً بوصفها مشتركة. فكيف يُقصى الآن هؤلاء المنافسون الآخرون؟
يحدث ذلك عبر حلقتين فكريتين أخريين، لا تتضمّن كلٌّ منهما إلا بضع كلمات، لكن فيها واحداً من أفدح الأخطاء المنطقية.
في الحلقة الأولى يُقصي Marx جميعَ "الخصائص الهندسية أو الفيزيائية أو الكيميائية أو غيرها من الخصائص الطبيعية للسلع". إذ إنّ "خصائصها الجسدية لا تُؤخَذ في الاعتبار أصلاً إلا بقدر ما تجعلها نافعة، أي قيماً استعمالية. ومن جهةٍ أخرى فإنّ علاقة التبادل بين السلع تتميّز بوضوح بالتجريد من قيمها الاستعمالية". إذ إنّ "ضمن هذه العلاقة (علاقة التبادل) تساوي قيمةٌ استعمالية تماماً أيَّ قيمةٍ أخرى، ما دامت موجودةً بالنسبة المناسبة" (I. 12).
"ماذا كان Marx ليقول في الحجّة التالية؟ في مسرح أوبرا يتقاضى ثلاثة مغنّين بارعين، أحدهم تينور وآخر باص وثالث باريتون، كلٌّ منهم راتباً قدره 20.000 فلورين. يُسأل: ما الظرف المشترك الذي من أجله يُجعَلون متساوين في الراتب؟ فأُجيب: في مسألة الراتب يساوي صوتٌ جميل تماماً أيَّ صوتٍ جميل آخر، صوتُ تينور جميل ما يساوي صوتَ باص جميل أو صوتَ باريتون جميل، ما دام موجوداً أصلاً بالنسبة المناسبة. وبالتالي يُجرَّد المرء «بوضوح» في مسألة الراتب من الصوت الجميل، وبالتالي لا يمكن أن يكون الصوت الجميل هو السبب المشترك للراتب المرتفع. — أنّ هذه الحجّة خاطئة أمرٌ واضح. ولكنّ من الواضح بالقدر نفسه أيضاً أنّ الاستنتاج الماركسي، الذي نُسِخت عنه بدقّة، ليس أصحَّ منها بشَعرة. فكلاهما يعانيان من الخطأ نفسه. إنّهما يخلطان بين التجريد من ظرفٍ ما بإطلاق وبين التجريد من الكيفيات الخاصّة التي يظهر بها هذا الظرف. فما هو لا مبالٍ به في مثالنا بالنسبة إلى مسألة الراتب إنّما هو على نحوٍ بيّن الكيفيةُ الخاصّة وحدها التي يظهر بها الصوت الجميل، أبصفته تينور أم باص أم باريتون، ولكنّه على الإطلاق ليس الصوتَ الجميل بإطلاق. وكذلك يُجرَّد المرء، بالنسبة إلى علاقة التبادل بين السلع، من الكيفية الخاصّة التي قد تظهر بها القيمةُ الاستعمالية للسلع، أتخدم السلعةُ الغذاءَ أم السكنَ أم الملبسَ إلخ، ولكنّه على الإطلاق لا يُجرَّد من القيمة الاستعمالية بإطلاق. وأنّ المرء لا يُجرَّد من هذه الأخيرة على الإطلاق كان Marx قد يستنتجه من أنّه لا يمكن أن توجد قيمةٌ تبادلية حيث لا توجد قيمةٌ استعمالية، وهي حقيقةٌ اضطُرّ Marx نفسه إلى الاعتراف بها مراراً." (Böhm-Bawerk)15
بيد أنّ الحال أسوأ مع الحلقة التالية من سياق البرهان. "إذا صُرف النظرُ عن القيمة الاستعمالية لأجسام السلع" — يمضي Marx حرفياً — "فلا تبقى لها إلا خاصّيةٌ واحدة، خاصّيةُ كونها نواتجَ عمل". حقاً؟ أسأل اليوم، كما سألتُ قبل 12 سنة: خاصّيةٌ واحدة فحسب؟ أوَلا تبقى للخيرات ذات القيمة التبادلية مشتركةً، مثلاً، أيضاً خاصّيةُ أنّها نادرةٌ بالنسبة إلى الحاجة؟ أو أنّها موضوعٌ للطلب والعرض؟ أو أنّها مُتملَّكة؟ أو أنّها "نواتجُ طبيعة"؟ إذ إنّ كونها نواتجَ طبيعة بقدر ما هي نواتجُ عمل، لا يقوله أحدٌ بأوضح ممّا يقوله Marx نفسه، حين يصرّح مرّةً: "إنّ أجسام السلع هي تركيباتٌ من عنصرين، مادّةٍ طبيعية وعمل". أو أوَليست أيضاً تلك الخاصّيةُ مشتركةً بين القيم التبادلية، وهي أنّها تُكبِّد منتِجيها كُلَفاً — خاصّيةٌ يتذكّرها Marx بهذه الدقّة في المجلّد الثالث؟
فلِمَ، أسأل اليوم أيضاً من جديد، لا ينبغي أن يكمن مبدأُ القيمة في إحدى هذه الخصائص المشتركة بالجودة نفسها، بدلاً من أن يكمن في خاصّية كون الشيء ناتجَ عمل؟ إذ إنّ Marx لم يقدّم لصالح هذه الأخيرة ولا أثراً واحداً لسببٍ إيجابي؛ فسببُه الوحيد هو السبب السلبي، أي أنّ القيمة الاستعمالية التي جُرِّد منها بنجاح ليست هي مبدأ القيمة التبادلية. ولكن أوَلا ينطبق هذا السببُ السلبي بالقدر نفسه تماماً على جميع الخصائص المشتركة الأخرى التي أغفلها Marx؟
بل أكثر من ذلك! في الصفحة 12 نفسها، التي جرَّد Marx فيها من تأثير القيمة الاستعمالية على القيمة التبادلية بتعليلٍ مفاده أنّ قيمةً استعمالية تساوي أيَّ قيمةٍ أخرى ما دامت موجودةً بالنسبة المناسبة، يحدّثنا عن نواتج العمل بما يلي:
"بيد أنّ ناتج العمل قد تحوّل بالفعل بين أيدينا. فإذا جرَّدنا من قيمته الاستعمالية، جرَّدنا أيضاً من المكوّنات والأشكال الجسدية التي تجعله قيمةً استعمالية. فلم يعد طاولةً أو بيتاً أو خيطاً أو أيَّ شيءٍ نافعٍ آخر. لقد انمحت جميع خصائصه الحسّية. ولم يعد كذلك ناتجَ عمل النجارة أو عمل البناء أو عمل الغزل أو أيِّ عملٍ إنتاجي محدَّد آخر. ومع زوال الطابع النافع لنواتج العمل يزول الطابعُ النافع للأعمال المتمثّلة فيها، فتزول إذاً أيضاً الأشكالُ العيانية المختلفة لهذه الأعمال؛ فهي لم تعد تتمايز، بل قد رُدّت جميعاً إلى عملٍ إنساني متساوٍ، عملٍ إنساني مجرَّد."
أيمكن القولُ بأوضح وأصرحَ من ذلك إنّ بالنسبة إلى علاقة التبادل لا تساوي قيمةٌ استعمالية فحسب، بل أيضاً نوعٌ من العمل ونواتج العمل، "تماماً ما يساويه أيُّ نوعٍ آخر، ما دام موجوداً بالنسبة المناسبة"؟ أي بعبارةٍ أخرى إنّ الواقعة نفسها بعينها، التي نطق Marx على أساسها للتوّ بحكم الإقصاء ضدّ القيمة الاستعمالية، قائمةٌ أيضاً في ما يخصّ العمل؟ للعمل وللقيمة الاستعمالية جانبٌ كيفي وجانبٌ كمّي. فكما أنّ القيمة الاستعمالية بوصفها طاولةً أو بيتاً أو خيطاً متمايزةٌ كيفياً، كذلك العملُ بوصفه عملَ نجارة أو عملَ بناء أو عملَ غزل. وكما يمكن مقارنةُ عملٍ من أنواعٍ مختلفة بحسب مقداره، كذلك تماماً يمكن مقارنةُ قيمٍ استعمالية من أنواعٍ مختلفة بحسب حجم القيمة الاستعمالية. ومن المستحيل البتّةَ تبيّنُ السبب الذي من أجله ينبغي أن تؤدّي الواقعة المتطابقة بالنسبة إلى منافسٍ إلى الإقصاء، وبالنسبة إلى منافسٍ آخر إلى التتويج بالجائزة! ولو أنّ Marx قلَب مصادفةً ترتيبَ البحث، لأمكنه بجهاز الاستنتاج نفسه بالضبط الذي أقصى به القيمة الاستعمالية أن يُقصي العمل، ثمّ أمكنه من جديد بجهاز الاستنتاج نفسه الذي توَّج به العمل أن يُعلن القيمة الاستعمالية بوصفها الخاصّيةَ المشتركة الوحيدة الباقية والمطلوبة إذاً، وأن يفسّر القيمة بوصفها "هلاماً من قيمةٍ استعمالية". وأظنّ أنّه يمكن الزعم، لا على سبيل المزاح بل بكلّ جدّية، أنّه في فقرتي الصفحة 12، اللتين جُرِّد في أولاهما من تأثير القيمة الاستعمالية وبُرهِن في ثانيتهما على العمل بوصفه المشترك المطلوب، يمكن أن تتبادل الموضوعاتُ مواقعَها بعضها مع بعض دون أيّ تغييرٍ في الصحّة المنطقية الظاهرية؛ وأنّه في البناء النحوي غير المُغيَّر للفقرة الأولى يمكن أن يُوضَع في كلّ موضعٍ بدلاً من القيمة الاستعمالية العملُ ونواتجُ العمل، وفي بناء الفقرة الثانية بدلاً من العمل في كلّ موضعٍ القيمةُ الاستعمالية!
هكذا هي طبيعة المنطق والمنهجية اللذين يُدخِل بهما Marx جملتَه الأساسية — عن العمل بوصفه الأساس الوحيد للقيمة — في نسقه. وأرى أنّه من المستبعَد تماماً أن يكون هذا الشعوذة الجدلية كان بالنسبة إلى Marx نفسه سبباً ومنبعاً لقناعته. إنّ مفكّراً في مرتبة Marx — وأنا أقدّره بوصفه قوّةً فكرية من الطراز الأوّل — لو كان الأمر يتعلّق بالنسبة إليه بأن يكوّن قناعته الخاصّة أوّلاً وأن يبحث حقاً عن الترابط الفعلي للأمور بنظرةٍ حرّةٍ غير منحازة، لما كان في وسعه البتّةَ أن يبحث منذ البداية في طريقٍ مُعوَجٍّ مخالفٍ للطبيعة إلى هذا الحدّ، ولما كان في وسعه البتّةَ، بمجرّد مصادفةٍ تعِسة، أن يتعثّر تباعاً في كلّ الأخطاء المنطقية والمنهجية الموصوفة، وأن يجلب إلى البيت بوصفها نتيجةً طبيعيةً غير معروفةٍ ولا مُرادةٍ مسبقاً لمثل هذا الطريق البحثي أطروحةَ العمل بوصفه المنبعَ الوحيد للقيمة.
وأعتقد أنّ الواقع الفعلي كان مختلفاً. لا أشكّ البتّةَ في أنّ Marx كان مقتنعاً بأطروحته اقتناعاً حقيقياً صادقاً. لكنّ أسباب قناعته ليست تلك التي كتبها في النسق. لقد كانت على الأرجح انطباعاتٍ أكثر منها أسباباً.
قبل كل شيء انطباعات السلطة المرجعية. فإن Smith وRicardo، السلطتين المرجعيتين الكبيرتين، كانا قد علّما القضية نفسها، أو هكذا كان يُعتقد آنذاك على الأقل. غير أنهما لم يبرهنا عليها أكثر مما فعل Marx، بل اكتفيا بافتراضها انطلاقاً من بعض الانطباعات العامة الغامضة. بل على العكس من ذلك، فحيثما دقّقا النظر، وفي المجالات التي لم يكن من الممكن فيها تجنّب التدقيق، ناقضاها صراحةً. ففي ما يخصّ الاقتصاد الوطني التجريبي المتطوّر، علّم Smith، تماماً كما فعل Marx في مجلّده الثالث، أن القيم والأسعار تنجذب نحو مستوى كلفة لا يشمل العمل وحده بل يتضمّن أيضاً ربحاً رأسمالياً متوسطاً، كما بيّن Ricardo بكل وضوح وصراحة في القسم الرابع الشهير من فصل «On value» أنه إلى جانب العمل المباشر وغير المباشر، فإن حجم الاستثمار الرأسمالي ومدّته يؤثّران أيضاً تأثيراً محدِّداً في قيمة السلع. ولكي يتسنّى لهما التمسّك من غير تناقض ظاهر بالفكرة الفلسفية المحبّبة عن العمل بوصفه المصدر «الحقيقي» للقيمة، كان عليهما أن يفرّا معها إلى بلد الأساطير وزمن الأساطير، حيث لم يكن بعدُ رأسمالي ولا مالك أرض. وهنا أمكن تأكيدها من دون دحض، لأنها لم تكن خاضعةً للمراقبة. لم تراقبها التجربة، إذ لا تجربة في هذا الصدد، ولم يراقبها التحليل العلمي النفساني، لأنهما تفاديا مثل هذا التحليل ـ تماماً كما فعل Marx: فلم يبرهنا، بل افترضا حالةً «طبيعية» قوامها مثال شاعري لقيمة العمل.16
وفي مثل هذه الأمزجة والتصوّرات، التي اكتسبت بفضل سلطة Smith وRicardo حظوةً هائلة، وإن لم تكن من غير منازِع، دخل Marx بوصفه وريثاً. وبصفته اشتراكياً متحمّساً آمن بها عن طيب خاطر. ولا عجب ألّا يتّخذ موقفاً أكثر تشكيكاً، حيال فكرة كانت بالغة الملاءمة لدعم رؤيته الاقتصادية للعالم، مما اتّخذه Ricardo، الذي لا بدّ أنها كانت تخالف هواه مخالفةً شديدة. ولا عجب أيضاً ألّا تدفعه التصريحات المتناقضة لدى الكلاسيكيين إلى شكوك نقدية تجاه قضية قيمة العمل، بل أن يفسّرها فحسب بوصفها محاولاتٍ من الكلاسيكيين للتملّص، بطريق ملتوية، من النتائج المزعجة لحقيقة غير مريحة. وباختصار، لا عجب أن يكون قد آمن، بناءً على المادة نفسها التي أغرت الكلاسيكيين بتصريحاتهم الأحادية الجانب، النصف غامضة، النصف المُناقَضة، وغير المبرهَن عليها بتاتاً، آمن من جهته بالقضايا نفسها، ولكن إيماناً قوياً مطلقاً متّقد القناعة. أما هو فلم يكن بحاجة إلى أسباب أخرى. بل إن نسقه وحده هو الذي احتاج إلى تبرير شكلي.
ومن المفهوم أنه لم يستطع في هذا التبرير أن يتّكئ ببساطة على الكلاسيكيين، إذ إن هؤلاء لم يبرهنوا على شيء. كما نعلم أنه لم يستطع لا أن يستند إلى التجربة ولا أن يحاول تبريراً اقتصادياً نفسانياً، لأن هذين الطريقين كانا سيقودانه بوضوح إلى عكس موضوع برهانه تماماً. ولذلك لجأ إلى التأمّل المنطقي الجدلي الذي يلائم اتجاهه الذهني على أي حال. وهنا كان الشعار: لينجد كلّ ما يستطيع النجدة! فقد كان يعرف ما يريد استخلاصه وما يجب عليه استخلاصه، فأخذ يتكلّف ويلوي المفاهيم والمقدّمات الصبورة بدهاء يثير الإعجاب، حتى خرجت أخيراً النتيجة المعروفة سلفاً في صورة استدلالية محترمة في ظاهرها. ولعلّه كان حينها مبهوراً بقناعاته إلى حدّ أنه لم يدرك أصلاً الفظاعات المنطقية والمنهجية التي لا بدّ أن تكون قد وقعت في غضون ذلك؛ ولعلّه أدركها لكنه برّرها أمام نفسه بوصفها مجرّد مساعدات شكلية، ليُعين حقيقةً مبرهَناً عليها مادياً وفق أعمق قناعاته على بلوغ الكسوة النسقية التي تستحقّها: في هذا لا أستطيع الحكم، وربما لا يستطيع أحد اليوم الحكم بتاتاً. غير أن ما أودّ تأكيده هو أنه ربما لم يحدث قطّ أن قدّم عقلٌ من القوّة الفكرية التي كان عليها Marx منطقاً خاطئاً بهذا القدر من الجسامة، وبهذا التواصل، وبهذا الوضوح الملموس، كما يفعل Marx في التبرير النسقي لقضيته الأساسية.
هذه القضية الخاطئة ينسجها الآن في نسقه. ببراعة تكتيكية تثير الإعجاب، تتجلّى مجدداً ببهاء في خطواته التالية مباشرة. فمع أنه استنبط قضيته «من أعماق الوجدان» فقط، متجنّباً بعنايةٍ البرهانَ التجريبي، فإن الفكرة لا تُنحّى تماماً جانباً في وضع نتيجة هذا التأمّل القَبْلي على محكّ التجربة. ولو لم يفعل Marx ذلك بنفسه، لفعله قرّاؤه على الأرجح بمبادرة منهم. فكيف يتصرّف Marx إذن؟
إنه يقسِّم. ففي نقطةٍ واحدة يكون تنافر قضيته مع التجربة صارخاً. هذه النقطة يتناولها بنفسه، ممسكاً الثور من قرنيه. فقد علّم، تبعاً لمبدئه الأساسي، أن قيمة السلع المختلفة تتناسب مع زمن العمل اللازم لإنتاجها (I. 14). والآن، من البيّن حتى للمراقب العابر أن هذه القضية لا تصمد أمام بعض الوقائع، أي مثلاً أن المنتَج اليومي لنحّات، أو نجّار فني، أو صانع كمنجات، أو صانع آلات وما إلى ذلك، لا تكون قيمته بالتأكيد مساوية، بل أعلى بكثير من المنتَج اليومي لحرفيّ عادي أو عامل مصنع، رغم أن كليهما «يجسّد» القدر نفسه من زمن العمل. والآن يطرح Marx بنفسه هذه الوقائع بلفتة جدلية بارعة. إنه يأخذ علماً بها بنبرةٍ توحي بأنها لا تنطوي على تعارض مع مبدئه الأساسي، بل على مجرّد تنويعٍ طفيف عليه، يظلّ ضمن القاعدة ولا يستلزم سوى قدرٍ من الإيضاح أو التحديد الأدقّ لها. إذ يعلن أنه يقصد بالعمل، بالمعنى الوارد في نظريته، «بذل قوّة عملٍ بسيطة»، «يملكها في المتوسّط كلُّ إنسانٍ عادي، من دون تطوّرٍ خاص، في كيانه العضوي الجسدي»؛ أي بعبارة أخرى، «عمل وسطي بسيط» (I. 19)، كما سبق نحو ذلك (I. 13). ثم يمضي قائلاً: «العمل الأكثر تعقيداً لا يُعدّ سوى عملٍ بسيط مرفوعٍ إلى قوّة، أو بالأحرى مضاعف، بحيث يكون قدرٌ أصغر من العمل المعقّد مساوياً لقدرٍ أكبر من العمل البسيط. وأن هذا الإرجاع يجري على الدوام تبيّنه التجربة. قد تكون سلعةٌ ما نتاج أعقد عمل، إلا أن قيمتها تجعلها مساويةً لنتاج العمل البسيط، فهي بذلك لا تمثّل في ذاتها سوى قدرٍ معيّن من العمل البسيط. والنِّسب المختلفة التي تُرجَع بها أنواع العمل المختلفة إلى العمل البسيط بوصفه وحدة قياسها، تتحدّد عبر عمليةٍ اجتماعية تجري من وراء ظهر المنتِجين، فتبدو لهم لذلك وكأنها معطاةٌ بحكم العُرف».
قد يبدو هذا التفسير، لقارئٍ مستعجلٍ ماضٍ في قراءته، معقولاً تماماً بالفعل. غير أنه إذا أمعن المرء النظر بشيءٍ من الهدوء والرصانة، انقلب الانطباع إلى نقيضه.
الواقعة التي نتعامل معها هي أن نتاج يومٍ أو ساعةٍ من العمل المؤهَّل تكون قيمته أكبر من نتاج يومٍ أو ساعةٍ من العمل البسيط، أي مثلاً أن المنتَج اليومي لنحّاتٍ يساوي في القيمة خمسة منتَجاتٍ يومية لكاسِر حجارة. والآن، علّم Marx أن الأشياء التي يُسوّى بينها في التبادل لا بدّ أن تتضمّن «مشترَكاً من المقدار نفسه»، وأن هذا المشترَك إنما هو عملٌ وزمن عمل. عمل بإطلاق؟ هذا ما توحي به مباحث Marx الأولى العامة حتى الصفحة 13، لكنه لا ينطبق على نحو بيّن: فخمسة أيام عمل ليست بالتأكيد «المقدار نفسه» كيومِ عملٍ واحد. ولهذا لم يعد Marx يقول الآن العمل بإطلاق، بل «العمل البسيط»: فالمشترَك إذن يُفترَض أن يكون مضمون قدرٍ متساوٍ من العملِ من نوعٍ معيّن، أي العمل البسيط.
غير أن هذا، إذا نُظر إليه بدمٍ بارد، أقلّ انطباقاً بعد، إذ إن نتاج النحّات لا يجسّد البتّة أيّ «عملٍ بسيط»، فضلاً عن أن يجسّد عملاً بسيطاً بكميةٍ مساوية لما في خمسة منتَجاتٍ يومية لكاسر حجارة. والحقيقة الرصينة هي أن المنتَجين يجسّدان نوعين مختلفين من العمل بكميتين مختلفتين، وهذا ـ كما سيُقرّ به كلُّ منصِف ـ هو النقيض الصريح للحالة التي يطلبها Marx ولا بدّ له من تأكيدها: وهي أنهما يجسّدان عملاً من النوع نفسه بكميةٍ متساوية!
صحيحٌ أن Marx يقول: إن العمل المعقّد «يُعدّ» عملاً بسيطاً مضاعَفاً، لكن «أن يُعدّ» ليس «أن يكون»، والنظرية تتناول جوهر الأشياء. فبالطبع يمكن للناس، من بعض الوجوه، أن يساووا بين يومٍ من عمل النحّات وخمسة أيام من عمل كاسر الحجارة، كما يمكنهم مثلاً أن يساووا بين ظبيٍ وخمسة أرانب. ولكن مثلما لا تخوّل مثلُ هذه المساواة الإحصائيَّ أن يؤكّد بجديةٍ علمية، عن محميةٍ تضمّ 100 ظبيٍ و500 أرنب، أن فيها 1000 أرنب، فكذلك لا يُخوَّل إحصائيُّ الأسعار أو منظِّر القيمة أن يؤكّد بجدية أن المنتَج اليومي للنحّات يجسّد خمسة أيام من العمل البسيط، وأن هذا هو السبب الواقعي لتسويته في التبادل بخمسة منتَجاتٍ يومية لكاسر الحجارة. وما عساه يمكن البرهنة عليه كلّه، إذا سمح المرء لنفسه، حيث يخذله «الكينونة»، أن يستعين بـ«العَدّ» و«جعل الشيء يُعدّ»، سأحاول بعد لحظةٍ أن أوضّحه بمثالٍ مكيَّفٍ مباشرةً على مشكلة القيمة. لكن قبل ذلك عليّ أن أُدرج اعتباراً آخر.
ذلك أن Marx يقوم في الموضع المقتبَس بمحاولةٍ لتبرير مناورته بـ«إرجاع» العمل المعقّد إلى العمل البسيط، وذلك عن طريق التجربة. «وأن هذا الإرجاع يجري على الدوام تبيّنه التجربة. قد تكون سلعةٌ ما نتاج أعقد عمل، إلا أن قيمتها تجعلها مساويةً لنتاج العمل البسيط، فهي بذلك لا تمثّل في ذاتها سوى قدرٍ معيّن من العمل البسيط».
حسناً. لنسلّم بهذا في الوقت الحاضر، ولنتأمّل فحسب بشيءٍ من الدقّة الكيفيةَ والعوامل التي يُفترَض أن يتحدّد بها معيارُ الإرجاع لهذا الإرجاع التجريبي الذي يستند إليه Marx. هنا نصطدم بملاحظةٍ بالغة الطبيعية، لكنها بالغة الإحراج للنظرية الماركسية، وهي أن معيار الإرجاع لا يتحدّد بشيءٍ آخر سوى نسب التبادل الفعلية نفسها. فليس محدَّداً ولا قابلاً للتحديد قَبْلياً، انطلاقاً من أي خاصيةٍ كامنة في الأعمال المؤهَّلة، النسبةُ التي يُفترَض أن تُحوَّل بها إلى عملٍ بسيط عند تكوين قيمة منتَجاتها، بل لا يحسم الأمرَ شيءٌ سوى النتيجة الفعلية، نسب التبادل الفعلية. ويقول Marx ذلك بنفسه: «قيمتها تجعلها مساويةً لنتاج العمل البسيط»، ويُحيل إلى «عمليةٍ اجتماعية» تُحدَّد بها «من وراء ظهر المنتِجين النِّسبُ المختلفة التي تُرجَع بها أنواع العمل المختلفة إلى العمل البسيط بوصفه وحدة قياسها»، وأن هذه النِّسب «تبدو لذلك معطاةً بحكم العُرف».
ماذا يعني، في ظل هذه الظروف، الاحتكام إلى "القيمة" وإلى "العملية الاجتماعية" بوصفهما عاملين محدِّدين لمقياس الرَّدّ؟ إنه يعني، بصرف النظر عن كل شيء آخر، الدور المنطقي العاري الصِّرف في التفسير. فموضوع التفسير إنما هو نسب التبادل بين السلع، ومن ذلك مثلاً: لماذا يُبادَل تمثالٌ صغير كلّف يوماً واحداً من عمل النحّات بِحِملٍ من الحجارة الرُّكامية كلّف خمسة أيام من عمل كسّار الحجارة، ولا يُبادَل ربما بكمية أكبر أو أصغر من الحجارة الرُّكامية تكلّف عشرة أيام أو ثلاثة أيام فقط من العمل. فماذا يقول لنا Marx على سبيل التفسير؟ إن نسبة التبادل هي هذه وليست غيرها، لأن يوم عمل النحّات يُرَدُّ بالضبط إلى خمسة أيام من العمل البسيط. ولماذا يُرَدّ بالضبط إلى خمسة أيام؟ لأن التجربة تُظهر أنه يُرَدّ كذلك من خلال عملية اجتماعية. وما هي هذه العملية الاجتماعية؟ إنها العملية نفسها التي ينبغي تفسيرها: العملية نفسها التي بها يُسَاوى، من حيث القيمة، ناتجُ يومٍ واحد من عمل النحّات بناتجِ خمسة أيام من العمل العادي. ولو أنه كان يُبادَل فعلياً وبانتظام بناتج ثلاثة أيام فقط من العمل البسيط، لكان Marx قد أرشدنا بالقدر نفسه إلى الاعتراف بمقياس الرَّدّ 1 : 3 بوصفه المقياس التجريبي، ولأسند إليه التفسير القائل إن التمثال الصغير يجب أن يُبادَل بالضبط بناتج ثلاثة أيام من عمل كسّار الحجارة، لا أكثر ولا أقل! وباختصار، من الواضح أننا لا نعرف بهذه الطريقة شيئاً عن السبب الحقيقي الذي يجعل نواتجَ أنواعٍ مختلفة من العمل تُبادَل بعضُها ببعض بهذه النسبة أو تلك؛ إنها تُبادَل هكذا، كما يقول لنا Marx ولو بكلمات مختلفة قليلاً، لأنها تُبادَل هكذا بحسب التجربة!
وأُلاحظ بعدُ، في معرض المرور، أن أتباع Marx، ربما إدراكاً منهم للدور المنطقي الذي وصفناه آنفاً، قد حاولوا أن يقيموا رَدَّ العمل المركّب إلى العمل البسيط على أساسٍ آخر واقعي. يقول Grabski²⁸: "ليس خيالاً، بل حقيقة، أن ساعة من العمل المركّب تتضمّن عدة ساعات من العمل البسيط". إذ ينبغي للمرء، "كي يبقى متّسقاً، أن يأخذ في الحسبان أيضاً ذلك العمل الذي أُنفق على اكتساب المهارة الفنية". وأعتقد أنه لا حاجة إلى كثير من الكلام لإظهار القصور التام لهذا الجواب أيضاً بوضوح. ولا أريد أن أعترض البتة على أن يُضاف إلى عمل الممارسة الحصةُ المقابلة نسبياً من عمل التعلّم. لكن من البيّن أنه لا يمكن تفسير الاختلافات في قيمة العمل المركّب مقابل العمل البسيط استناداً إلى هذه الإضافة إلا إذا كان مقدارُها مطابقاً لمقدار ذلك الاختلاف. فلن يكون مثلاً، في حالتنا المفترضة، في ساعة واحدة من عمل النحت الممارَس خمسُ ساعات من العمل البسيط فعلاً إلا إذا قابلَ كلَّ ساعةٍ من الممارسة أربعُ ساعات من التعلّم، أو، إذا ما حُسب الأمر بوحدات أكبر، إذا كان على النحّات، من بين خمسين عاماً من حياته يكرّسها لمهنته متعلّماً وممارِساً، أن يتعلّم أربعين عاماً كي يتمكّن من الممارسة عشرة أعوام. لكن لن يُقدِم أحدٌ على الادّعاء بأن نسبة كهذه، أو حتى نسبة مقاربة لها، تقع في الواقع. لذلك أعود من فرضية المخرَج المتعثّرة الواضحة القصور لدى التابع إلى تعليم المعلّم نفسه، كي أُبيّن طبيعة أخطائه ومداها بمثالٍ آخر تتجلّى فيه طريقة Marx الخاطئة في الاستدلال، كما أعتقد، أوضحَ ما يكون.
فبالنوع نفسه تماماً من الاستدلال يمكن أيضاً أن يُدَّعى ويُدافَع عن القول بأن مبدأ القيمة التبادلية ومقياسها يكمنان في المحتوى المادّي للسلع، وأن السلع تُبادَل بنسبة كمية المادّة المتجسّدة فيها. فعشرة كيلوغرامات من المادّة في شكلٍ سلعيٍّ ما تُبادَل في كل حين بعشرة كيلوغرامات من المادّة في شكلٍ سلعيٍّ آخر. وإذا اعترض المرء بطبيعة الحال على هذا الادّعاء بأنه خاطئ بيّناً، إذ إن عشرة كيلوغرامات من الذهب مثلاً لا تُبادَل بعشرة، بل بأربعين ألف كيلوغرام من الحديد أو بعدد أكبر من كيلوغرامات الفحم، فإننا نردّ على غرار Marx: إن المهمّ بالنسبة إلى تكوّن القيمة هو المحتوى من المادّة المتوسّطة العادية. فهي التي تؤدّي دور وحدة القياس. أما المواد المؤهَّلة الدقيقة الثمينة "فلا تساوي إلا مادّةً بسيطةً مُقوّاةً، أو بالأحرى مضاعَفة، بحيث تكون كميةٌ أصغر من المادّة المؤهَّلة مساويةً لكميةٍ أكبر من المادّة البسيطة. وأن هذا الرَّدّ يجري على الدوام تُظهره التجربة. قد تتكوّن سلعةٌ من أرفع المواد، فقيمتُها تجعلها مساويةً للسلع المتكوّنة من المادّة العادية، وهي بذلك لا تمثّل إلا كميةً معيّنة من المادّة العادية". فثمّة "عملية اجتماعية"، لا يمكن البتة الارتياب في وجودها الفعلي، تردّ على الدوام مثلاً رطلَ الذهب الخام إلى 40.000 ورطلَ الفضة الخام إلى 1.500 رطل من الحديد الخام. ومعالجة الذهب، سواء على يد صائغ عادي أو على يد فنانٍ عظيم، تُنتج تدرّجاتٍ إضافية في تأهيل المادّة، يقابلها العمل في الواقع، بحسب التجربة، بمقاييس رَدٍّ خاصة. فإذا بُودِل رطلٌ من سبائك الذهب بسبائك حديد وزنُها 40.000 رطل، أو بُودِلَت كأسٌ ذهبية صاغها Benvenuto Cellini بالوزن نفسه بأربعة ملايين رطل من الحديد، فليس ذلك انتهاكاً، بل تأكيداً للقول بأن السلع تُبادَل بنسبة "المادّة المتوسّطة" التي تمثّلها!
أعتقد أن القارئ غير المتحيّز سيتعرّف بلا عناء في هذه الاستدلالات على المكوّنين الاثنين لوصفة Marx: استبدال "السريان/القيمة المعطاة" بـ"الكينونة"، والدور المنطقي في التفسير الكامن في استمداد مقياس الرَّدّ من نسب التبادل الفعلية في المجتمع، وهي ذاتها التي تحتاج إلى التفسير!
هكذا تدبّر Marx أمر التناقض الصارخ بين الوقائع ونظريته، ببراعة كبيرة لا نزاع فيها من الناحية الجدلية، وعلى نحوٍ قاصرٍ تماماً في صلب المسألة بطبيعة الحال، كما لم يكن بوسعه أن يكون غير ذلك.
لكن إلى جانب ذلك توجد عدمُ اتساقاتٍ أخرى مع التجربة الفعلية، أقلَّ لفتاً للانتباه من حيث الدرجة، وهي تلك التي تنشأ عن نصيب استثمار رأس المال في تحديد أسعار السلع الفعلية، وهي نفسها التي ناقشها Ricardo، كما أُشير أعلاه، في القسم الرابع من فصل "On value". وإزاء عدم الاتساقات هذه يسلك Marx اتجاهاً آخر. فهو يغمض عينيه عنها كلّياً في الوقت الراهن. ويتجاهلها على امتداد مجلّدين. ويتصرّف كأنها غير موجودة، إذ يُجرّدها بعيداً على سبيل الافتراض طوال المجلّد الأول والثاني بأكملهما. فهو ينطلق، طوال العرض اللاحق كله لنظريته في القيمة، وكذلك عند تطوير نظريته في فائض القيمة، دائماً من "الافتراض"، المُحتفَظ به ضمنياً تارة والمُصرَّح به تارة أخرى، القائل بأن السلع تُبادَل فعلاً بقيمها، أي بالضبط بنسبة العمل المتجسّد فيها.17
وهو يربط هذا التجريد الافتراضي أيضاً بحركةٍ جدلية بالغة البراعة. فثمّة انحرافاتٌ فعلية معيّنة عن القاعدة النظرية يجوز للمُنظِّر حقاً أن يُجرّدها بعيداً: وهي التقلّبات العَرَضية والعابرة لأسعار السوق حول مستواها المنتظم الدائم. ولا يفوّت Marx عند هذه المناسبات، التي يُعلن فيها أنه يريد التجريد بعيداً عن انحرافات الأسعار عن القيم، أن يوجّه انتباه القرّاء إلى مثل تلك "الظروف العَرَضية" التي ينبغي "صرف النظر" عنها، كـ"التذبذبات الدائمة لأسعار السوق" التي "يعوّض صعودُها هبوطَها"، والتي "تردّ نفسها إلى السعر المتوسط بوصفه قاعدتها الباطنية".18 وهو يكسب بإشارةٍ كهذه استحسانَ القرّاء لتجريده، أما أنه لا يُجرّد عند ذلك فحسب الانحرافات العَرَضية، بل أيضاً انحرافاتٍ ثابتة تماماً، دائمة، نمطية، يشكّل وجودُها بعينه جزءاً لا يتجزّأ من القاعدة ذاتها التي يجب تفسيرها، فهذا يبقى خافياً عن القارئ الذي لا يدقّق النظر تماماً، وهو ينزلق دون أن يدري فوق الخطيئة المنهجية المميتة التي ارتكبها المؤلف.
فإنها لخطيئة منهجية مميتة أن يتجاهل المرء، في بحثٍ علمي، ذلك الذي ينبغي عليه تفسيره. والحال أن نظرية Marx في فائض القيمة لا ترمي إلى شيء سوى تقديم تفسيرٍ لربح رأس المال على نحوٍ يوافق مذهبه. لكن ربح رأس المال يكمن بالضبط في تلك الانحرافات الدائمة لأسعار السلع عن مقدار مجرّد كُلَف عملها. فإذا تجاهل المرء بالتالي هذه "الانحرافات"، فإنه يتجاهل تحديداً الجزء الرئيسي مما ينبغي تفسيره. وقد عِبتُ قبل اثنتي عشرة سنة الزلّةَ المنهجية نفسها على Rodbertus، الذي كان قد أوقع نفسه فيها على النحو ذاته، وعلى Marx نفسه كذلك.³¹ وليُسمَح لي بأن أُكرّر الكلمات الختامية لنقدي آنذاك:
"إنهم (أنصار نظرية الاستغلال) يؤكّدون القانون القائل بأن قيمة كل السلع تقوم على وقت العمل المتجسّد فيها، كي يهاجموا في اللحظة التالية كلَّ تكوّناتِ القيمة التي لا تنسجم مع هذا "القانون"، كفروق القيمة التي تؤول إلى الرأسمالي بوصفها فائض قيمة، بوصفها "مخالفةً للقانون" و"غير طبيعية" و"غير عادلة"، ويوصون باجتثاثها. فهم أولاً يتجاهلون الاستثناء كي يتمكّنوا من إعلان قانونهم في القيمة قانوناً عاماً. وبعد أن يكونوا قد انتزعوا بهذه الحيلة صفة العمومية له، يعودون فينتبهون إلى الاستثناءات كي يصِموها بكونها مخالفاتٍ للقانون. وهذا النوع من الاستدلال ليس في الحقيقة أفضل من أن يلاحظ المرء وجود كثيرٍ من الناس الحمقى، فيتجاهل وجود الناس الحكماء أيضاً، فيصل بذلك إلى "القانون العام" القائل بأن "كل الناس حمقى"، ثم يطالب باجتثاث الحكماء الموجودين "خلافاً للقانون"!" (Böhm-Bawerk)³²
لقد كسب Marx بطبيعة الحال لعرضه، من خلال مناورته التجريدية، ميزةً تكتيكية كبيرة. فقد استبعد الواقعَ المزعِج "على سبيل الافتراض" من نظامه، ومن ثمّ فإنه لا يقع، ما دام قادراً على إبقاء هذا الاستبعاد، في أي تعارضٍ معه. ويصدُق هذا على الجزء المتبقّي، وهو الأكبر بكثير، من المجلّد الأول، وعلى المجلّد الثاني كله، وكذلك على الرُّبع الأول من المجلّد الثالث. ففي هذا المجرى الأوسط من نظام Marx يتدفّق تيّار تطوّراته وترابطاته المنطقية بتماسكٍ مُهيب حقاً واتّساقٍ داخلي. ويسعُ Marx هنا أن يُجيد المنطق، لأنه قد وفّق سلفاً، عن طريق "الافتراض"، بين الوقائع وأفكاره، ومن ثمّ يستطيع أن يبقى وفيّاً لهذه دون أن يصطدم بتلك؛ وحيث يجوز لـMarx أن يُجيد المنطق فإنه قادر عليه أيضاً، وعلى نحوٍ بارع. وهذه الأجزاء الوسطى من النظام، مهما يكن منطلقُه خاطئاً، ستُرسّخ إلى الأبد، بفضل اتّساقها الداخلي الفائق، شُهرةَ مؤلِّفها بوصفه قوّةً تفكيريةً من الطراز الأول. ومما لا شك أنه أفاد كثيراً، كأثرٍ جانبي، التأثيرَ العملي لنظام Marx: أن القرّاء الذين تجاوزوا بسلامٍ البدايةَ المضطربة يجدون، خلال هذا المجرى الأوسط الطويل الذي لا تشوبه شائبةٌ تذكر في اتّساقه الداخلي في جوهره، وقتاً ليألفوا عالم Marx الفكري وليكتسبوا الثقة بمسارات الأفكار التي تتدفّق الآن حقاً كلٌّ منها من الآخر على نحوٍ جميل وتنتظم في كلٍّ واحد. وهكذا فإن القرّاء، وقد توطّدت ثقتهم، هم الذين يخاطبهم Marx بتلك المطالب القاسية التي يُضطرّ في النهاية إلى طرحها في المجلّد الثالث.
فمهما أرجأ Marx الأمر، لا بدّ له ذات مرّة أن يفتح عينيه على وقائع الحياة الفعلية. لا بدّ له أخيراً أن يعترف أمام قرّائه بأن السلع تُبادَل في الحياة الفعلية، وذلك بانتظامٍ وبالضرورة، لا بنسبة وقت العمل المتجسّد فيها، بل تارةً دون هذه النسبة وتارةً فوقها، تبعاً لكون رأس المال المستثمَر يقتضي مقداراً أصغر أو أكبر من الربح المتوسط، وباختصار: بأن استثمار رأس المال يشكّل، إلى جانب وقت العمل، عاملاً محدِّداً منسَّقاً لنسبة التبادل بين السلع. ومن ذلك تنشأ لـMarx مهمّتان قاسيتان. فعليه أولاً أن يحاول أن يُبرّر أمام قرّائه أنه كان قد علّم في البداية، وطوال هذه المدة، أن العمل يشكّل العامل الوحيد المحدِّد لنسب التبادل؛ وعليه ثانياً، وهي ربما المهمّة الأقسى بعد، أن يُقدّم لقرّائه أيضاً تفسيراً نظرياً للوقائع المعادية لنظريته، تفسيراً من البيّن أنه لم يكن بإمكانه أن ينحلّ في نظريته في قيمة العمل دون بقيّة، ولكن ينبغي مع ذلك ألا يتعارض معها أيضاً.
من المفهوم أنّ هذه البراهين لم يعد بالإمكان إنجازها بمنطق سليم ومستقيم. إننا نشهد الآن النظير المقابل للبداية المشوشة للنسق. فهناك، اضطر Marx، كي يستنبط نظريةً لم يكن من الممكن استنباطها على نحوٍ مستقيم من الوقائع، إلى الافتئات جزئياً على هذه الوقائع، وجزئياً وبالأساس على المنطق، وإلى أن يتقبّل بعضاً من أكثر الأخطاء الفكرية التي لا تُصدَّق. والآن يتكرر الموقف. فالآن تلتقي مرة أخرى مع النظريات، التي ظلت طوال مجلدين كاملين تنفرد بالميدان ومن ثَمّ تسيطر عليه دون عائق، تلك الوقائع التي لا تتفق معها بطبيعة الحال أكثر مما كانت تتفق في البداية. ومع ذلك يُراد الإبقاء على انسجام النسق. ولا يمكن أن يحدث هذا إلا، مرة أخرى، على حساب المنطق. ولذلك نشهد في النسق الماركسي المشهد الذي يبدو للوهلة الأولى غريباً، لكنه في ظل الظروف الموصوفة طبيعيٌّ تماماً في الواقع، وهو أن الجزء الراجح إلى حدٍّ بعيد من حيث الحجم في النسق يمثل تحفةً جديرةً بالقوة الفكرية لمؤلفه من منطقٍ صارمٍ ومُحكَم، لكن قد دُسّت فيه في موضعين، هما للأسف الموضعان الحاسمان بالذات، أجزاءٌ من سياقٍ فكريٍّ ضعيفٍ ومهملٍ بصورة لا تُصدَّق: المرة الأولى في البداية تماماً، حيث انفصلت النظرية أولاً عن الوقائع، والمرة الثانية بعد الربع الأول من المجلد الثالث، حيث تعود الوقائع إلى دائرة نظر القراء؛ والذي يأتي هنا في الاعتبار هو بالأساس الفصل العاشر من الكتاب الثالث (ص. 151 - 179).
لقد سبق لنا أن تعرّفنا على جزءٍ من ذلك المحتوى وأن نحكم عليه؛ وهو دفاع Marx عن نفسه ضد تهمة التناقض بين قانون أسعار الإنتاج و«قانون القيمة».19 ويبقى الآن أن نلقي نظرة على المهمة الثانية للفصل المشار إليه، أي على التفسير النظري الذي يُدخل به Marx في نسقه نظرية أسعار الإنتاج المراعية20 للأوضاع الواقعية. وهذا النظر يقودنا أيضاً إلى واحدةٍ من أكثر النقاط إفادةً وأكثرها تمييزاً للنسق الماركسي: إلى موقع «المنافسة» في نسقه.
«المنافسة»، كما سبق أن ألمحتُ مرة أعلاه، هي نوعٌ من اسمٍ جامعٍ لكل تلك الدوافع والبواعث النفسية التي يدع أطرافُ السوق أنفسَهم يقتادون بها في سلوكهم، والتي تكتسب بهذه الطريقة تأثيراً على تكوين الأسعار. فلدى الراغب في الشراء بواعثُه التي يتوخاها عند الشراء، والتي ينبثق له منها معيارٌ ما لمقدار السعر الذي يكون مستعداً لبذله في البداية أو في أقصى الأحوال. وكذلك لدى البائع والمنتِج بواعثُ معينة تحمله على التخلص من سلعته بأسعار معينة دون أخرى، وعلى مواصلة إنتاجه عند مستوى سعريّ محدد أو حتى توسيعه، وإيقافه عند مستوى آخر. وفي تنافس المشترين والبائعين تلتقي الآن كل هذه الدوافع والمحدِّدات بعضها ببعض، ومن يستند في تفسير تكوُّن سعرٍ ما إلى المنافسة، فإنه يستند في الجوهر، تحت اسمٍ جامع، إلى لعبة وتأثير كل تلك البواعث والدوافع النفسية التي كانت موجِّهة لدى كلا طرفَي السوق.
أما Marx فهو يجتهد بوجه عام في أن يخصّ المنافسة والقوى الفاعلة فيها بأدنى موقع ممكن في نسقه. فهو يتجاوزها بنظره، أو على الأقل يسعى إلى الحطّ من نوع تأثيرها ومقداره أينما وكيفما استطاع. ويظهر ذلك في مناسبات مختلفة على نحوٍ صارخ.
أولاً، حتى عند استنباطه لقانونه في قيمة العمل. فكل غير متحيّزٍ يعلم ويرى أن ذلك التأثير الذي تمارسه كميةُ العمل المبذولة عموماً على الشكل الدائم لأسعار السلع — هذا التأثير ليس بطبيعة الحال ذا طبيعةٍ إقصائيةٍ كما يقرّر قانون القيمة الماركسي — لا يتوسطه إلا لعبة العرض والطلب، أو المنافسة على التوالي. ففي مبادلاتٍ متفرّقة أو في حالة احتكار، قد تظهر أسعارٌ لا تقوم (حتى بصرف النظر عن مطالب رأس المال المستثمَر) على أي نسبةٍ مع وقت العمل المتجسّد. وMarx يعلم ذلك بطبيعة الحال أيضاً. لكنه لا يأتي على ذكره في البداية، عند استنباط قانونه في القيمة. ولو فعل ذلك، لما أمكن دفعُ السؤال والبحث الإضافيين القائلين: بأي طريقةٍ وعبر أي حلقاتٍ وسيطة، من بين كل البواعث والعوامل التي تغدو فاعلةً تحت راية المنافسة، ينبغي أن يكون لوقت العمل بالذات التأثيرُ الحاسم الوحيد على مقدار السعر. والتحليل الكامل لتلك البواعث، الذي لا مفر منه هنا، كان سيضع لا محالة قيمة الاستعمال للسلع في الواجهة بقوةٍ أكبر مما كان يلائم Marx، وكان سيُظهر بعض الأمور في إضاءةٍ مختلفة، وبعضها أخيراً من الأصل، مما لم يكن Marx يريد أن يقرّ له بأي اعتبارٍ في نسقه.
لذلك فإنه، في المناسبة التي كان فيها تأسيسٌ منهجيٌّ كاملٌ لقانونه في القيمة يفرض عليه واجبَ عرض الدور الوسيط للمنافسة، يتسلل أولاً تجاوزاً لهذه النقطة في صمتٍ تام. ولاحقاً يذكرها بالفعل، لكنه من حيث موضع الذكر ونوعه لا يذكرها بوصفها حلقة مهمة في النسق النظري، بل في ملاحظاتٍ عابرةٍ ومناسِبة، تورد الواقعة في بضع كلمات، كشيءٍ يُفهَم من تلقاء نفسه إلى حدٍّ ما، ودون أن يُكلّف نفسه عناء تأسيسٍ أعمق.
- أن مبادلة السلع ليست مجرد مبادلةٍ «عرَضيةٍ أو مناسِبة»؛
- أن السلع «تُنتَج من الجانبين بكمياتٍ متناسبة تقريباً مع الحاجة المتبادلة، وهو ما تأتي به خبرة التصريف المتبادلة، وما ينمو هكذا كنتيجةٍ من المبادلة المتواصلة نفسها»، وأن «لا احتكار طبيعياً أو مصطنعاً يُمكّن أحد الطرفين المتعاقدين من البيع فوق القيمة، أو يُكرهه على التخلص من سلعته دونها».
إذن فإن منافسةً متبادلةً نشطة، دامت أيضاً من الطول ما يكفي لمواءمة الإنتاج بحسب التصريف المعتمد على الخبرة، أو حاجة المشترين على التوالي، هي ما يشترطه Marx هنا شرطاً لكي يتمكن قانونه في القيمة أصلاً من الدخول حيز الفاعلية. ويجب علينا أن نحفظ هذا الموضع جيداً في الذاكرة.
ولا يُلحَق به تأسيسٌ أدق. بل على العكس، بُعَيد ذلك بقليل، وتحديداً في عمق تلك الفقرات التي يتحدث فيها Marx بعدُ بأكثر إسهابٍ نسبياً عن المنافسة و«جانبيها» — الطلب والعرض — وعلاقتهما بتكوين السعر، يرفض صراحةً «تحليلاً أعمق لهاتين القوتين المحركتين الاجتماعيتين» باعتباره «غيرَ ملائمٍ هنا»!21
بل وأكثر من ذلك! فمن أجل أن يحطّ كذلك من دلالة العرض والطلب بالنسبة للنسق النظري، وكذلك على الأرجح من أجل أن يبرّر إهمالَه النظري لهذين العاملين، ابتدع Marx نظريةً خاصةً به غريبة، طوّرها في ص. 169 و170 من المجلد الثالث، بعد أن كان قد لامسها في إيماءاتٍ عابرةٍ من قبل. وينطلق من أنه إذا رجح أحد العاملين على الآخر، مثلاً الطلب على العرض، أو العكس، تتكوّن أسعارٌ سوقيةٌ غير منتظمة، تنحرف عن «القيمة السوقية» التي تشكّل «مركز التذبذب» لهذه الأسعار السوقية؛ وأنه بالمقابل، إذا أُريد أن تُباع السلع بقيمتها السوقية الطبيعية هذه، فلا بد أن يتطابق الطلب والعرض تماماً. ويربط بذلك الحجاج الغريب الآتي: «إذا تطابق الطلب والعرض، توقّفا عن الفعل. فإذا فعلت قوتان في اتجاهين متعاكسين فعلاً متساوياً، ألغت إحداهما الأخرى، ولم تفعلا شيئاً البتة نحو الخارج، والظواهر التي تحدث في ظل هذا الشرط يجب أن تُفسَّر بغير تدخّل هاتين القوتين. وإذا ألغى الطلب والعرض أحدهما الآخر، توقّفا عن أن يفسّرا أي شيء، ولم يفعلا في القيمة السوقية، وتركانا في الظلام تماماً حول لِمَ تعبّر القيمة السوقية عن نفسها في هذا المبلغ من المال بالذات وليس في أيّ مبلغٍ آخر». ومن ثَمّ فإن العلاقة بين الطلب والعرض يمكن أن تفسّر «الانحرافات عن القيمة السوقية» التي تنجم عن رجحان قوةٍ على الأخرى، أما مقدار القيمة السوقية نفسها فلا.
أن هذه النظرية الغريبة تنطبق على نسق Marx انطباقاً جيداً أمرٌ بيّن. فإذا كان لا يمكن إطلاقاً تفسير شيءٍ يخص مقدار الأسعار الدائمة من العلاقة بين العرض والطلب، فقد كان إذن من النظام تماماً أن لا يأبه Marx في تأسيسه بهذين العاملين عديمي الأهمية أكثر من ذلك، وأن يُدخل في النسق دون لفٍّ ودوران ذلك العامل الذي يمارس وحده في رأيه تأثيراً حقيقياً على مقدار القيمة، أي العمل.
لكن لا يقلّ، فيما أعتقد، عن ذلك بياناً أن تلك النظرية الغريبة خاطئةٌ خطأً تاماً. فحجاجها يقوم، كما هي الحال كثيراً عند Marx، على لعبٍ بالألفاظ.
صحيحٌ تماماً أنه عند بيع سلعةٍ بقيمتها السوقية الطبيعية لا بد بمعنىً ما أن يتطابق العرض والطلب: أي أنه عند هذا السعر يُطلَب طلباً فاعلاً من السلعة بقدر ما يُعرَض منها. لكن هذا لا يسري عند البيع بالقيمة السوقية الطبيعية فحسب، بل عند كل سعرٍ سوقي، حتى المنحرف وغير المنتظم منه. ثم إن من المعلوم لكل أحد، ولMarx معرفةً جيدة أيضاً، أن العرض والطلب مقداران مرنان. فإلى جانب الطلب والعرض اللذين يبلغان فعلاً حدّ المبادلة، يوجد دائماً أيضاً طلبٌ وعرضٌ «مستبعَدان»؛ جمهرةٌ من الناس يرغبون بدورهم في السلعة لحاجتهم، لكنهم لا يريدون أو لا يستطيعون بذل السعر الذي يبذله منافسوهم الأقوى، وجمهرةٌ من الناس كانوا بدورهم على استعدادٍ لتوريد السلعة المطلوبة، لكن بأسعار أعلى من تلك التي تأتي في الاعتبار في السوق الراهنة. أما القول إن العرض والطلب «يتطابقان» فلا يسري البتة على الطلب والعرض بكليّتهما، بل فقط على الجزء الناجح منهما. وأخيراً فإنه أمرٌ معروفٌ أيضاً أن ميكانيكا السوق تجد مهمتها بالذات في اصطفاء الجزء الناجح من مجمل الطلب ومجمل العرض، وأن أهم وسائل هذا الاصطفاء هو تكوّن السعر. فلا يمكن أن تُشترى سلعٌ أكثر مما يُباع. ومن ثَمّ لا يمكن أن يبلغ مَبلغَ النجاح من الجانبين إلا عددٌ متساوٍ من الراغبين (أو الراغبين في قدرٍ متساوٍ من السلع على التوالي). ويتم اصطفاء هذا العدد المتساوي الآن بأن يُرفَع السعر تلقائياً إلى مقدارٍ تُستبعَد به الفوائض على الجانبين، بحيث يكون السعر في آنٍ معاً مرتفعاً أكثر من اللازم للراغبين الفائضين في الشراء، ومنخفضاً أكثر من اللازم للراغبين الفائضين في البيع. وفي تحديد هذا المقدار السعري يكون للراغبين الذين يبلغون مَبلغَ النجاح، وكذلك لأوضاع المتنافسين المستبعَدين، نصيب،22 ولهذا السبب وحده يكون من الخطأ أن يُستنتج من تساوي الجزء البالغِ مَبلغَ النجاح من العرض والطلب إلغاءٌ تامٌّ للتأثير الصادر عن العرض والطلب عموماً.
لكن هذا خاطئٌ أيضاً لسببٍ آخر. ولنفترض حتى أن تكوّن السعر لا شأن له إلا بالجزء الناجح المتوازن كمياً من العرض والطلب، فإنه افتراضٌ خاطئٌ تماماً وغير علمي أن قوتين تحفظان التوازن بالضبط «تتوقفان» لذلك «عن الفعل». بل على العكس، إن فعلهما هو بالذات حالةُ التوازن المُحقَّقة، وإذا تعلّق الأمر بتفسير حالة التوازن هذه بكل خصائصها، التي ينتمي إليها على نحوٍ بارز مقدار المستوى الذي وُجد فيه التوازن، فلا يمكن أن يحدث ذلك، كما يرى Marx، «بغير تدخّل القوتين» فحسب، بل على العكس لا يمكن أن يحدث إلا بتدخّل القوتين اللتين تحفظان التوازن. وعلى أي حال، يمكن جعل مثل هذه القضايا المجردة بيّنةً على أنجع وجهٍ بمثالٍ عملي.
لنُطلِق منطادًا في الهواء. الجميع يعلم أن المنطاد يرتفع حينئذٍ، ولهذا السبب، عندما وبسبب أنه مملوء بغاز أخفّ من الهواء الجوي. لكنه لا يرتفع إلى ما لا نهاية، بل فقط حتى ارتفاع معيّن، يظلّ عنده عندئذٍ معلّقًا ثابتًا، طالما لم تُغيّر مؤثرات أخرى، مثل تسرّب الغاز ونحوه، الوضعَ القائم. فكيف يتحدّد إذن، وبأي عوامل يتعيّن، هذا الارتفاعُ؟ هذا أيضًا واضح وشفّاف تمامًا. إنّ كثافة الهواء الجوي تتناقص كلّما اتجهنا إلى الأعلى. والمنطاد يرتفع فقط ما دامت كثافةُ طبقة الهواء المحيطة به آنذاك أكبر من كثافته الخاصة، ويكفّ عن الارتفاع عندما تتعادل كثافتُه الخاصة وكثافةُ طبقة الهواء المحيطة فيتحقّق بينهما التوازنُ تمامًا. وعليه فإن المنطاد سيرتفع أعلى كلّما كانت كثافةُ غازِ ملئِه أقلّ، وكلّما كانت الدرجةُ ذاتها من الكثافة لدى الهواء الجوي تُصادَف في طبقةٍ أعلى. ومن البديهي في ظلّ هذه الظروف أنّ تفسير الارتفاع لا يمكن الحصول عليه بأيّ وجهٍ آخر سوى بالاحتكام إلى نسب الكثافة المتبادلة بين المنطاد من جهة والهواء الجوي من جهة أخرى.
لكن كيف ستبدو المسألةُ بحسب منظومة أفكار Marx؟ عند بلوغ ارتفاع المنطاد تتعادل القوّتان، كثافةُ المنطاد وكثافةُ الهواء المحيط، فتتوازنان تمامًا. ولهذا «تكفّان عن الفعل»، و«تكفّان عن تفسير أيّ شيء»، و«لا تؤثّران في ارتفاع المنطاد»، وإذا أردنا من ثمّ تفسير هذا الأخير فعلينا أن نُفسّره «على نحوٍ آخر غير تدخّل هاتين القوّتين»! أجل، وبماذا إذن؟!
أو، إذا أشار ميزانٌ عُشريّ عند وزن جسمٍ إلى 50 كيلوغرامًا، فكيف يمكن تفسير هذا الوضع الذي عليه الميزان؟ لا يمكن تفسيره بنسبة ثقل الجسم المراد وزنُه من جهة وثقل الصنجة المستخدمة للوزن من جهة أخرى، لأن هاتين القوّتين تتعادلان تمامًا عند الوضع المعني للميزان، فتكفّان من ثمّ عن الفعل، ولا يمكن أن يُفسَّر من نسبتهما أيُّ شيء البتّة، ولا حتى وضعُ الميزان!
أعتقد أن الخطأ واضح بما يكفي، كما يتّضح بالقدر نفسه أنّ النوع ذاته من الخطأ يكمن في صلب العروض التي يستبعد فيها Marx بالاستدلال تأثيرَ العرض والطلب على مستوى الأسعار الدائمة. وحتى لا ينشأ بحالٍ أيُّ سوء فهم: ليس من رأيي إطلاقًا أنّ الاحتكام إلى صيغة العرض والطلب يتضمّن بالفعل تفسيرًا كاملًا ومُرضيًا للأسعار الدائمة. بل على العكس، إنّ رأيي الذي أبديتُه مرارًا وبإسهاب في مواضع أخرى يذهب إلى أنّه يجب على المرء أن يُحلّل بدقّة العناصرَ التي لا تُشار إليها بتلك العبارة الجامعة إلا إجمالًا فظًّا، وأن يُحدّد بدقّة نوعَ تأثيرها المتبادل ومقدارَه، وأن يَنفذ على هذا النحو أيضًا إلى معرفة تلك العناصر التي يكون لها تأثيرٌ خاصٌّ بالتحديد على المستوى الدائم للأسعار. لكنّ تأثيرَ نسبة العرض والطلب على تكوّن الأسعار، الذي استبعده Marx بالاستدلال، هو حلقةٌ وسطى لا غنى عنها لهذا التفسير الأعمق: فالتفسير لا يجري بمعزلٍ عنها، بل يمرّ من خلالها مباشرةً.
لنعاود الإمساك بخيط بحثنا. لقد رأينا في علاماتٍ شتّى مدى سعي Marx إلى إزاحة تأثير العرض والطلب إلى الخلفية في منظومته. والآن، عند ذلك المنعطف الغريب الذي تتّخذه منظومتُه بعد الربع الأول من المجلّد الثالث، تواجهه مهمّةُ تفسير لماذا لا تتجاذب الأسعارُ الدائمة للسلع نحو كميّة العمل المُتجسّدة، بل نحو «أسعار الإنتاج» المخالِفة لها.
إنّ القوّة التي تُنجِز ذلك يُفسّرها بأنها ـ المنافسة. فالمنافسة تُسوّي معدّلاتِ الربح، التي تكون في الأصل متباينة بحسب التركيب العضوي المختلف لرؤوس الأموال في فروع الإنتاج المختلفة، إلى معدّلِ ربحٍ متوسّطٍ عامّ،57 وفي ارتباطٍ بذلك يجب أن تتجاذب الأسعارُ على المدى الطويل نحو أسعار الإنتاج التي تُدِرّ ربحًا متوسّطًا واحدًا متساويًا.
لنُثبِت سريعًا بعض النقاط المهمّة لتقدير هذا التفسير.
من الواضح أوّلًا أنّ الاحتكام إلى المنافسة لا يعني من حيث المضمون شيئًا آخر سوى الاحتكام إلى فاعلية العرض والطلب. ففي ذلك الموضع، الذي سبق أن عرضناه مرّةً أعلاه، حيث يصف Marx على أوجز نحوٍ عمليةَ تسوية معدّل الربح بفعل منافسة رؤوس الأموال (III. 175 وما بعدها)، يجعل أيضًا هذه العمليةَ تتحقّق بصراحةٍ تامّة عبر «نسبةٍ من العرض إلى الطلب بحيث يصبح الربحُ المتوسّط في مجالات الإنتاج المختلفة واحدًا، ومن ثمّ تتحوّل القيمُ إلى أسعار إنتاج».
ثانيًا، من الثابت أنّ الأمر في هذه العملية لا يتعلّق بمجرّد تذبذباتٍ حول مركز الجاذبية الموافق لنظرية القيمة في المجلّدين الأوّلين، أي حول زمن العمل المُتجسّد، بل يتعلّق بإزاحةٍ نهائية للأسعار إلى مركز جاذبيةٍ آخر دائم، هو سعرُ الإنتاج.
والآن يتزاحم سؤالٌ إثر سؤال.
إذا كانت نسبةُ الطلب والعرض، بحسب Marx، لا يمكنها أن تُمارس أيّ تأثيرٍ البتّة على مستوى السعر الدائم، فكيف يمكن أن تكون «المنافسة»، المطابِقة لهذه النسبة ذاتها، هي القوّةَ التي تُزيح مستوى الأسعار الدائمة من مستوى «القيم» إلى مستوى أسعار الإنتاج المخالِف له إلى هذا الحدّ البعيد؟
أفليس يَبرز في هذا الاحتكام المُضطرّ والمناقض للنظرية إلى المنافسة، بوصفها الـ Deus ex machina الذي يدفع الأسعارَ الدائمة من مركز الجاذبية الموافق للنظرية، أي كميّة العمل المُتجسّدة، إلى مركز جاذبيةٍ آخر، أفليس يَبرز بالأحرى على نحوٍ لا إراديّ اعترافٌ بأنّ «القوى الدافعة الاجتماعية» التي تحكم الحياةَ الفعلية تنطوي على بعض المُحدِّدات الأوّلية لنسب التبادل وتُفعِّلها، وهي مُحدِّدات لا يمكن ردُّها إلى زمن العمل، وأنّ تحليل النظرية الأصلية الذي استقطر من نسب التبادل ما لا يتجاوز زمنَ العمل بوصفه الأساسَ الكامن وراءها كان من ثمّ تحليلًا ناقصًا غير مطابقٍ للوقائع؟
وفضلًا عن ذلك: لقد قال لنا Marx بنفسه، وقد رسّخنا هذا الموضع جيّدًا في أذهاننا،23 إنّ السلع لا تتبادل تقريبًا وفق قيمها إلا حين توجد منافسةٌ حيّة؛ فقد احتكم آنذاك إلى المنافسة بوصفها عاملًا ينزع إلى دفع أسعار السلع نحو «قيمها». والآن نتعرّف على المنافسة بوصفها قوّةً تدفع، على العكس، أسعارَ السلع بعيدًا عن «قيمها» ونحو أسعار الإنتاج! فهل من سبيلٍ للتوفيق بين هذه الأقوال التي تَرِد، علاوةً على ذلك، في فصلٍ واحدٍ بعينه، هو الفصل العاشر من المجلّد الثالث المُرشَّح على الأرجح لشُهرةٍ مشؤومة؟ وإذا كان Marx قد رأى ربّما أنّ التوفيق يكمن في أنّ أحد القولين يسري على الحالات البدائية والآخر على المجتمع الحديث المتطوّر ـ أفلا يجب علينا أن نُواجهه بأنّه في الفصل الأول من مؤلَّفه لم يَستهلّ نظريته في قيمة العمل من علاقات روبنسونادةٍ، بل من علاقات مجتمعاتٍ «يسود فيها نمطُ الإنتاج الرأسمالي»، و«تظهر ثروتُها كتراكمٍ هائل من السلع»؟ أفلا يطالبنا أيضًا، في مؤلَّفه كلّه، بأن ننظر إلى علاقات مجتمعاتنا الحديثة ونَحكم عليها في ضوء نظريته في العمل؟ لكنّنا إذا تساءلنا أين يجب، بحسب أقواله هو نفسه، أن نلتمس مجالَ سريان قانونه في القيمة داخل المجتمع الحديث، فإنّنا نبحث عبثًا تمامًا. فإمّا ألا توجد منافسة: وعندئذٍ لا تتبادل السلعُ وفق قيمها إطلاقًا، بحسب Marx II. 156 وما بعدها، أو أن تكون المنافسة فاعلة: وعندئذٍ لا تتبادل من بابٍ أولى وفق قيمها، بل وفق أسعار إنتاجها، بحسب Marx III. 176!
هكذا يتراكم في الفصل العاشر المشؤوم تناقضٌ فوق تناقض. ولا أريد أن أُطيل هذا البحثَ المُستفيض أصلًا إلى هذا الحدّ بأن أُعدِّد أيضًا كلّ التناقضات والمُخالفات الأصغر التي يَعِجّ بها هذا الفصل. وأعتقد أنّ كلّ من يقرأ هذا الفصل بتجرّدٍ سيُحسّ بأنّه قد خرج، إن جاز التعبير، عن طبيعته. فبدلًا من أسلوب التعبير الصارم الموجَز الحذِر، وبدلًا من المنطق الصلب كالحديد الذي اعتدناه من الأجزاء البارعة في مؤلَّف Marx، نجد هنا تردّدًا وتشتّتًا لا في الحُجاج فحسب، بل حتى في استخدام المصطلحات الفنية. فما أكثر إلفاتًا للنظر، مثلًا، ذلك التصوّر المتقلّب باستمرار للطلب والعرض، اللذين يُؤخَذان تارةً بصورةٍ صحيحة تمامًا بوصفهما مقدارَين مرنَين ذوي فروقٍ في الشدّة، وتارةً، اقتداءً بأسوأ نموذج لـ«اقتصادٍ مبتذَل» تجاوزه الزمنُ منذ أمدٍ بعيد، بوصفهما مجرّد كميّاتٍ بسيطة؛ أو ما أقلّ إرضاءً وأضعفَ اتّساقًا ذلك العرضَ الخاص بالعوامل التي تحكم قيمةَ السوق حين تُنتَج الأجزاءُ المختلفة من كميّة السلع الواردة إلى السوق في ظلّ ظروف إنتاجٍ غير متساوية وما إلى ذلك!
لا يمكن أن يُلتمَس سببُ هذه الظاهرة في كون هذا الفصل قد كتبه Marx في شيخوخته وحده، إذ يوجد أيضًا في أجزاءٍ لاحقة غيرُ قليلٍ من العروض المكتوبة على نحوٍ رائع. كما أنّ ذلك الفصل المشؤوم، الذي كانت قد نُثرت إشاراتٌ غامضة إلى مضمونه في المجلّد الأول بالفعل،³⁹ لا بدّ أن يكون قد جرى التفكيرُ فيه في وقتٍ مبكّر. بل إنّ Marx يكتب هنا على نحوٍ مُلتبِسٍ متذبذب لأنّه لم يكن مسموحًا له أن يكتب بوضوحٍ وحِدّة دون أن يقع في تناقضٍ صريح وتراجعٍ عن أقواله. فلو أنّه هنا، حيث انطلق من نسب التبادل الحقيقية القابلة للملاحظة في الحياة الفعلية، قد سلّط عليها الضوءَ بالجِدّية ذاتها والعمق ذاته اللذين تتبّع بهما، على مدى مجلّدين، فرضيتَه في قيمة العمل حتى أقصى نتائجها المنطقية؛ ولو أنّه هنا قد أعطى عبارةَ «المنافسة» مضمونًا علميًّا عبر تحليلٍ اقتصاديٍّ نفسيٍّ دقيق لـ«القوى الدافعة الاجتماعية» التي تَبلغ حدَّ الفاعلية تحت ذلك الاسم الجامع، ولو أنّه هنا لم يَهدأ ولم يَركن ما دامت أيُّ حلقةٍ وسطى لم تُوضَّح، أو أيُّ نتيجةٍ لم تُتتبَّع حتى نهايتها، أو أيُّ علاقةٍ بدت غامضة أو متناقضة ـ وتكاد كلُّ كلمةٍ من فصله العاشر الحالي تستدعي مثل هذا البحث الأعمق أو التوضيح ـ لانساق عندئذٍ خطوةً خطوة نحو إقامة منظومةٍ مختلفةٍ تمامًا من حيث المضمون، ولما أمكن تجنّبُ التناقض الصريح والتراجع عن القضايا الجوهرية في منظومته الأصلية. ولم يكن تجنّبُ ذلك ممكنًا إلا بالتمويه، بالضبابية والغموض ـ وهذا ما لا بدّ أن يكون Marx قد شعر به غريزيًّا، إن لم يكن قد عَلِمه، حين رفض صراحةً «التحليلَ الأعمق للقوى الدافعة الاجتماعية».
وبذلك، في اعتقادي، يكون قد تحدّد أيضًا ألفُ وياءُ جميع أخطاء Marx وتناقضاته وأوجه التباسه. إنّ منظومته لا تُبقي على صلةٍ متينةٍ مُحكمة بالوقائع. فلا عبر تجربةٍ سليمة ولا عبر تحليلٍ اقتصاديٍّ نفسيٍّ متين استمدّ Marx من الوقائع أُسسَ منظومته، بل أقامها على أرضٍ ليست أصلبَ من جدليّةٍ متيبّسة. تلك هي الخطيئة الكبرى التي يضعها Marx في مهد منظومته. ومنها ينبثق كلُّ ما تبقّى بالضرورة. فالمنظومة منظَّمة في اتجاهٍ معيّن، والوقائع تجري في اتجاهٍ آخر فتعترض المنظومةَ تارةً هنا وتارةً هناك. وهنالك تُولّد الخطيئةُ الأصلية في كلّ مرّةٍ خطيئةً جديدة. فلكي لا يَنكشف موضعُ التعثّر، يُغلَّف الأمرُ إمّا في غموضٍ أو ضبابية، أو يُلوى ويُدار بفنونٍ جدلية مماثلة لما كان في البداية، أو ـ حين لا يُجدي كلُّ ذلك ـ يُناقِض المرءُ نفسَه. تلك هي العلامةُ التي يقف تحتها الفصلُ العاشر من المجلّد الثالث لـ Marx: إنّه يأتي بالحصاد السيّئ الذي طال تأجيلُه، والذي كان لا بدّ أن ينبت من البذار السيّئة!